صوت الاشاعرة أهل السنة والجماعة ( الأشاعرة )
http://www.youtube.com/user/sawtoalashaerah?feature=mhee

تم بحمد الله انشاء قناة صوت الاشاعرة على اليوتيوب وانتظروا الردود العلمية على شبه الوهابية


قال سيدنا علي رضي الله عنه - كان الله ولا مكان وهو الان على ما عليه كان - رواه ابو منصور البغدادي
 
الرئيسيةاليوميةالبوابةمكتبة الصورالتسجيلس .و .جبحـثالأعضاءدخول
تم بحمد الله انشاء قناة صوت الاشاعرة على اليوتيوب وانتظروا الردود العلمية على شبه الوهابية
صوت الاشاعرة على الفيس بوك تابعونا
http://www.facebook.com/home.php?sk=group_152323721494241&ap=1

شاطر | 
 

 ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية ( الحلق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد خالد شعراني
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 03/01/2008

مُساهمةموضوع: ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية ( الحلق   الإثنين يناير 28, 2008 6:14 pm

{الرد على منكري الرؤية و يتسلسل على حلقات }
بسم الله ارحمن الرحيم وبه نستعين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد و على جميع إخوانه من النبيين و المرسلين و آل كل و صحب كل و التابعين .
و بعد:
فإنه لما كانت بعض الفرق تنفي رؤية الله في الآخرة وتتباهى بما تعتقده و هو خلاف الحق ، و يعتقدون بالإضافة لهذا أن مثبت الرؤية مشبه مجسم ، و لم يتنبه هؤلاء أن ما وقعوا فيه كان من باب أنهم شبهوا الخالق بالمخلوق فوصلوا فاسد المعتقد، وفعلهم كان من باب قياس الغائب على الشاهد، و عليه كان لا بد من الرد على هؤلاء فقد أفردنا أقوال ساداتنا العلماء للرد عليهم، و سيكون الرد في حلقات متوالية، و كم سيكون الموضوع ثريا لو تدخل أحد هؤلاء بالحوار أو جماعة منهم للرد على ما نقول و نورد.
و لما كان هؤلاء لا يصححون ما عندنا ( أي لايقولون بصحة ما عندنا ) من حديث و لا نقول نحن بتصحيح ما عندهم تعين أن يكون الحوار مما جاء في كتاب الله .
و سنتبع هذا الحوار بحوار عقلي بعد الفراغ من تقرير النقل .

{وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ }الأعراف143
اعلم أنه تعالى بين الفائدة التي لأجلها حضر موسى عليه السلام الميقات وهي أن كلمه ربه.
وفي الآية مسائل شريفة عالية من العلوم الإلهية.
المسألة الأولى: دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام والناس مختلفون في كلام الله تعالى.
1 - فمنهم من قال: كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة،
2 - ومنهم من قال: كلامه صفة حقيقة مغايرة للحروف والأصوات.
أما القائلون بالقول الأول: (كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة ) فالعقلاء المحصلون، انفقوا على أنه ( إن كان عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة ) يجب كونه حادثا كائنا بعد أن لم يكن.
وزعمت مشبهة الحنابلة والحشوية أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم،وهذا القول أخسُّ من أن يَلتفتَ العاقلُ إليه، وذلك أني قلت يوما إنه تعالى إما أن يُتكلم بهذه الحروف على الجمع أو على التعاقب والتوالي.
والأولSad و هو أن يُتكلم بهذه الحروف على الجمع ) باطل لأن هذه الكلمات المسموعة المفهومة إنما تكون مفهومة إذا كانت حروفها متوالية فأما إذا كان حروفها توجد دفعة واحدة فذاك لا يكون مفيدا ألبتة.
والثانيSad وهو أن يُتكلم بهذه الحروف على التعاقب والتوالي) يوجب كونها حادثة، الأول، فالأول حادث لأن كل ما ثبت عدمه امتنع قدمه، والثاني حادث، لأن كل ما كان وجوده متأخرا عن وجود غيره فهو حادث، فثبت أنه بتقدير أن يكون كلام الله تعالى عبارة عن مجرد الحروف والأصوات محدث. لأن الحروف إذا كانت متوالية فعند مجيء الثاني ينقضي الأول.
إذا ثبت هذا فنقول للناس ههنا مذهبان:
الأول: أن محل تلك الحروف والأصوات الحادثة هو ذات الله تعالى، وهو قول الكرامية.
الثاني: أن محلها جسم مباين لذات الله تعالى كالشجرة وغير، وهو قول المعتزلة.
أما القول الثاني:وهو أن كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات، فهذا قول أكثر أهل السنة والجماعة. وتلك الصفة قديمة أزلية.
والقائلون بهذا القول اختلفوا في الشيء الذي سمعه موسى عليه السلام.
فقالت الأشعرية: إن موسى عليه السلام سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية قالوا: وكما لا يتعذر رؤية ذاته، مع أن ذاته ليست جسما ولا عرضا، فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفا ولا صوتا.
وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى عليه السلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة، فأما الصفة الأزلية التي ليست بحرف ولا صوت فذاك ما سمعه موسى عليه السلام ألبتة، فهذا تفصيل مذاهب الناس في سماع كلام الله تعالى.
المسألة الثانية: اختلفوا في أنه تعالى كلم موسى عليه الصلاة و السلام:
1 - وحده
2 - أو كلمه مع أقوام آخرين.
ء - وظاهر الآية يدل على الأول. لأن قوله تعالى: { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } يدل على تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف والتخصيص بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه.
ب - وقال القاضي: بل السبعون المختارون للميقات سمعوا أيضا كلام الله تعالى. قال: لأن الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى عليه السلام عما يجري هناك، وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكلام وأيضا فإن تكليم الله تعالى موسى عليه السلام على هذا الوجه معجز، وقد تقدمت نبوة موسى عليه السلام لا بد من ظهور هذا المعنى لغيره.
المسألة الثالثة: قال أصحابنا هذه الآية {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ }الأعراف143 تدل على أنه سبحانه يجوز أن يرى وتقريره من أربعة أوجه.
الأول: أن الآية دالة على أن موسى عليه السلام سأل الرؤية ولا شك أن موسى عليه السلام يكون عارفا بما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها، وحيث سألها؛ علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى.
قال القاضي: الذي قاله المحصلون من العلماء في ذلك أقوال أربعة:
أحدها: ما قاله الحسن وغيره:
أن موسى عليه السلام ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله تعالى، قال ومع الجهل بهذا المعنى قد يكون المرء عارفا بربه وبعدله وتوحيده، فلم يبعد أن يكون العلم بامتناع الرؤية وجوازها موقوفا على السمع.
وثانيها: أن موسى عليه السلام سأل الرؤية على لسان قومه، فقد كانوا جاهلين بذلك يكررون المسألة عليه يقولون: { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}البقرة55 فسأل موسى الرؤية لا لنفسه، فلما ورد المنع ظهر أن ذلك لا سبيل إليه، وهذه طريقة أبي علي وأبي هاشم.
وثالثها: أن موسى عليه السلام سأل ربه من عنده معرفة باهرة باضطرار وأهل هذا التأويل مختلفون، فمنهم من يقول:
1 - سأل ربه المعرفة الضرورية.
2 - ومنهم من يقول: بل سأله إظهار الآيات الباهرة التي عندها تزول الخواطر والوساوس عن معرفته، وإن كانت من فعله، كما نقوله في معرفة أهل الآخرة، وهو الذي اختاره أبو القاسم الكعبي.
ورابعها: المقصود من هذا السؤال أن يذكر تعالى من الدلائل السمعية ما يدل على امتناع رؤيته حتى يتأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي. وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء، وهو الذي ذكره أبو بكر الأصم فهذا مجموع أقوال المعتزلة في تأويل هذه الآية.
قال أصحابنا أما الوجه الأول، فضعيف ويدل عليه وجوه:
الأول: إجماع العقلاء على أن موسى عليه السلام ما كان في العلم بالله أقل منزلة ومرتبة من أراذل المعتزلة، فلما كان كلهم عالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى وفرضنا أن موسى عليه السلام لم يعرف ذلك، كانت معرفته بالله أقل درجة من معرفة كل واحد من أراذل المعتزلة، وذلك باطل بإجماع المسلمين.
الثاني: أن المعتزلة يدعون العلم الضروري، بأن كل ما كان مرئيا، فإنه يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل. فإما أن يقال إن موسى عليه السلام حصل له هذا العلم أو لم يحصل له هذا العلم.
فإن كان الأول Sad و هو على شرط ، بأن كل ما كان مرئيا، فإنه يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل. ) كان تجويزه لكونه تعالى مرئيا، يوجب تجويز كونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة، وتجويز هذا المعنى على الله تعالى يوجب الكفر عند المعتزلة، فيلزمهم كون موسى عليه السلام كافرا، وذلك لا يقوله عاقل.
وإن كان الثاني (لم يحصل له هذا العلم ) فنقول:
لما كان العلم بأن كل مرئي يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل علما بديهيا ضروريا، ثم فرضنا أن هذا العلم ما كان حاصلا لموسى عليه السلام، لزم أن يقال إن موسى عليه السلام لم يحصل فيه جميع العلوم الضرورية، ومن كان كذلك فهو مجنون، فيلزمهم الحكم بأنه عليه السلام، ما كان كامل العقل بل كان مجنونا وذلك كفر بإجماع الأمة،
فثبت أن القول بأن موسى عليه السلام، ما كان عالما بامتناع الرؤية مع فرض أنه تعالى ممتنع الرؤية يوجب أحد هذين القسمين الباطلين، فكان القول به باطلا والله أعلم.
وأما التأويل الثاني: وهو أنه عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لا لنفسه، فهو أيضا فاسد ويدل عليه وجوه:
الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لقال موسى: أرهم ينظروا إليك، ولقال الله تعالى: لن يروني، فلما لم يكن كذلك، بطل هذا التأويل. {و إن كان الأمر ممتنعا في ذاته ممتنعا سؤاله لنفسه فكيف يسأله لغيره، و هو عالم بإمتناعه...؟؟}
والثاني: أنه لو كان هذا السؤال طلبا للمحال، لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا: { اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ }الأعراف 138 منعهم عنه بقوله: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ }(الأعراف: 138)
والثالث: أنه كان يجب على موسى إقامة الدلائل القاطعة على أنه تعالى لا تجوز رؤيته وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال، فأما أن لا يذكر شيئا من تلك الدلائل ألبتة، مع أن ذكرها كان فرضا مضيقا، كان هذا نسبة لترك الواجب إلى موسى عليه السلام، وأنه لا يجوز.
والرابع: أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية، إما أن يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام. أو ما آمنوا بها،
فإن كان الأولSad أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية، قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام )كفاهم في الامتناع عن ذلك السؤال الباطل، مجرد قول موسى عليه السلام، فلا حاجة إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى عليه السلام،
وإن كان الثانيSad أنهم ما آمنوا به ) لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم يقولون له لا نسلم أن الله منع من الرؤية، بل هذا قول افتريته على الله تعالى، فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة للقوم في قول موسى عليه السلام { أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ}.
وأما التأويل الثالث: فبعيد أيضا ويدل عليه وجوه:
الأول: أن على هذا التقدير يكون معنى الآية أرني أمرا أنظر إلى أمرك، ثم حذف المفعول والمضاف، إلا أن سياق الآية يدل على بطلان هذا، وهو قوله: { أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي } (الأعراف: 143) فسوف تراني { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ}ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف.
الثاني: أنه تعالى أراه من الآية ما لا غاية بعدها كالعصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وإظلال الجبل، فكيف يمكن بعد هذه الأحوال طلب آية ظاهرة قاهرة.
والثالث: أنه عليه السلام كان يتكلم مع الله بلا واسطة. ففي هذه الحالة كيف يليق به أن يقول: أظهر لي آية قاهرة ظاهرة تدل على أنك موجود؟ ومعلوم أن هذا الكلام في غاية الفساد.
الرابع: أنه لو كان المطلوب آية تدل على وجوده، لأعطاه تلك الآية كما أعطاه سائر الآيات ولكان لا معنى لمنعه عن ذلك، فثبت أن هذا القول فاسد.
وأما التأويل الرابع: وهو أن يقال: المقصود منه إظهار آية سمعية تقوي ما دل العقل عليه، فهو أيضا بعيد، لأنه لو كان المراد ذلك، لكان الواجب أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل، وحيث لم يقل ذلك بل طلب الرؤية. علمنا أن هذه التأويلات بأسرها فاسدة.
الحجة الثانية: من الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على أنه تعالى جائز الرؤية وذلك لأنه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال: لا أرى ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان ناولني هذا لآكله، فإنه يقول له هذا لا يؤكل، ولا يقول له لا تأكل. ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة، لقال له: لا تأكلها أي هذا مما يؤكل، ولكنك لا تأكله. فلما قال تعالى: { لَن تَرَانِي} ولم يقل لا أرى، علمنا أن هذا يدل على أنه تعالى في ذاته جائز الرؤية.
الحجة الثالثة: من الوجوه المستنبطة من هذه الآية، أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز، والمعلق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة. إنما قلنا: إنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز، لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل، بدليل قوله تعالى: { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}واستقرار الجبل أمر جائز الوجود في نفسه. فثبت أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز الوجود في نفسه.
إذا ثبت هذا وجب أن تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها، لأنه لما كان ذلك الشرط أمرا جائز الوجود، لم يلزم من فرض وقوعه محال.
فبتقدير حصول ذلك الشرط، إما أن يترتب عليه الجزاء الذي هو:
1 - حصول الرؤية
2 - أو لا يترتب، فإن ترتب عليه حصول الرؤية لزم القطع بكون الرؤية جائزة الحصول، وإن لم يترتب عليه حصول الرؤية قدح هذا في صحة قوله، إنه متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية، وذلك باطل.
فإن قيل: إنه تعالى علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته واستقرار الجبل حال حركته محال. فثبت أن حصول الرؤية معلق على شرط ممتنع الحصول، لا على شرط جائز الحصول، فلم يلزم صحة ما قلتموه؟ والدليل على أن الشرط هو استقرار الجبل حال حركته أن الجبل إما أن يقال: إنه حال ما جعل استقراره شرطا لحصول الرؤية كان ساكنا أو متحركا، فإن كان الأول، لزم حصول الرؤية بمقتضى الاشتراط، وحيث لم تحصل علمنا أن الجبل في ذلك الوقت ما كان مستقرا، ولما لم يكن مستقرا كان متحركا. فثبت أن الجبل حال ما جعل استقراره شرطا لحصول الرؤية، كان متحركا لا ساكنا. فثبت أن الشرط هو كون الجبل مستقرا حال كونه ساكنا فثبت أن الشرط الذي علق الله تعالى على حصوله حصول الرؤية، هو كون الجبل مستقرا حال كونه متحركا، وأنه شرط محال.
والجواب: هو أن اعتبار حال الجبل من حيث هو مغاير لاعتبار حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن، وكونه ممتنع الخلو عن الحركة والسكون لا يمنع اعتبار حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن ألا ترى أن الشيء لو أخذته بشرط كونه موجودا كان واجب الوجود، ولو أخذته بشرط كونه معدوما كان واجب العدم، فلو أخذته من حيث هو هو قطع النظر عن كونه موجودا أو كونه معدوما كان ممكن الوجود. فكذا ههنا الذي جعل شرطا في اللفظ هو استقرار الجبل، وهذا القدر ممكن الوجود فثبت أن القدر الذي جعل شرطا أمر ممكن الوجود جائز الحصول، وهذا القدر يكفي لبناء المطلوب عليه. والله أعلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد خالد شعراني
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 03/01/2008

مُساهمةموضوع: ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية ( الحلق   الإثنين يناير 28, 2008 6:16 pm

الحجة الرابعة: من الوجوه المستنبطة من هذه الآية في إثبات جواز الرؤية قوله تعالى: { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } وهذا التجلي هو الرؤية، ويدل عليه وجهان:
الأول: إن العلم بالشيء يجلي لذلك الشيء، وأبصار الشيء أيضا يجلي لذلك الشيء. إلا أن الأبصار في كونه مجليا أكمل من العلم به وحمل اللفظ على المفهوم الأكمل أولى.
الثاني: أن المقصود من ذكر هذه الآية تقرير أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى بدليل أن الجبل مع عظمته لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه ولولا أن المراد من التجلي ما ذكرناه وإلا لم يحصل هذا المقصود.
فثبت أن قوله تعالى: { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} هو أن الجبل لما رأى الله تعالى اندكت أجزاؤه، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه تعالى جائز الرؤية أقصى ما في الباب أن يقال: الجبل جماد والجماد يمتنع أن يرى شيئا، إلا أنا نقول: لا يمتنع أن يقال: إنه تعالى خلق في ذات الجبل الحياة والعقل والفهم، ثم خلق فيه رؤية متعلقة بذات الله تعالى، والدليل عليه أنه تعالى قال: { يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ}سبأ10 وكونه مخاطبا بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة والعقل فيه فكذا ههنا، فثبت بهذه الوجوه الأربعة دلالة هذه الآية على أنه تعالى جائز الرؤية.
أمّا المعتزلة فقالوا: إنه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية أنه تعالى تمتنع رؤيته فوجب صرف هذه الظواهر إلى التأويلات.
أما دلائلهم العقلية فقد بينا في الكتب العقلية ضعفها وسقوطها، فلا حاجة هنا إلى ذكرها. وأما دلائلهم السمعية فأقوى ما لهم في هذا الباب التمسك بقوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ }الأنعام103 قد سبق في سورة الأنعام ما في هذه الآية من المباحث الدقيقة واللطائف العميقة.
*****************
واعلم أن القوم تمسكوا بهذه الآية على عدم الرؤية من وجوه:
الأول: التمسك بقوله تعالى: { لَن تَرَانِي} وتقرير الاستدلال أن يقال:
إن هذه الآية تدل على أن موسى عليه السلام لا يرى الله ألبتة لا في الدنيا ولا في القيامة، ومتى ثبت هذا ثبت أن أحدا لا يراه البتة ومتى ثبت هذا ثبت أنه تعالى يمتنع أن يرى، فهذه مقدمات ثلاثة.
أما المقدمة الأولى: فتقريرها من وجوه:
الأول: ما نقل عن أهل اللغة أن كلمة « لَن » للتأبيد.
1 - قال الواحدي رحمه الله:هذه دعوى باطلة على أهل اللغة، وليس يشهد بصحته كتاب معتبر، ولا نقل صحيح.
2 - وقال أصحابنا: الدليل على فساده قوله تعالى في صفة اليهود {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً }البقرة95 مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة.
والثاني: أن قوله: { لَن تَرَانِي} يتناول الأوقات كلها بدليل صحة استثناء أي وقت أريد من هذه الكلمة، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ وهذا أيضا ضعيف، لأن تأثير الاستثناء في صرف الصحة لا في صرف الوجوب على ما هو مقرر في أصول الفقه.
الثالث: أن قوله لن أفعل كذا، يفيد تأكيد النفي، ومعناه أن فعله ينافي حالته كقوله تعالى: { لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا}الحج73 وهذا يدل على أن الرؤية منافية للإلهية،
والجواب: أن {لن } لتأكيد نفي ما وقع السؤال عنه، والسؤال إنما وقع عن تحصيل الرؤية في الحال. فكان قوله: { لَن تَرَانِي} نفيا لذلك المطلوب، فأما أن يفيد النفي الدائم فلا.
فهذه جملة الكلام في تقرير هذه المسألة.
أما المقدمة الثانية: فقالوا: القائل اثنان:
1 - قائل يقول: إن المؤمنين يرون الله وموسى أيضا يراه،
2 - وقائل ينفي الرؤية عن الكل، أما القول بإثباته لغير موسى ونفيه عن موسى فهو قول خارق للإجماع وهو باطل.
وأما المقدمة الثالثة: فهي أن كل من نفي الوقوع نفي الصحة، فالقول بثبوت الصحة مع نفي الوقوع قول على خلاف الإجماع وهو باطل. واعلم أن بناء هذه الدلالة على صحة المقدمة الأولى، فلما ثبت ضعفها سقط هذا الاستدلال بالكلية.
الحجة الثانية للقوم: أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه خر صعقا، ولو كانت الرؤية جائزة. فلم خر عند سؤالها صعقا؟
والحجة الثالثة: أنه عليه السلام لما أفاق قال سبحانك، وهذه الكلمة للتنزيه، فوجب أن يكون المراد منه تنزيه الله تعالى عما تقدم ذكره، والذي تقدم ذكره هو رؤية الله تعالى، فكان قوله: { سُبْحَانَكَ} تنزيها له عن الرؤية. فثبت بهذا أن نفي الرؤية تنزيه الله تعالى. وتنزيه الله إنما يكون عن النقائص والآفات، فوجب كون الرؤية من النقائص والآفات، وذلك على الله محال. فثبت أن الرؤية على الله ممتنعة.
والحجة الرابعة: قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق أنه قال: { تُبْتُ إِلَيْكَ} ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال: { وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}.
واعلم أن أصحابنا قالوا: الرؤية كانت جائزة، إلا أنه عليه السلام سألها بغير الإذن وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكانت التوبة توبة عن هذا المعنى لا عما ذكروه، فهذا جملة الكلام في هذه الآية. والله أعلم بالصواب.
المسألة الرابعة: في البحث عن هذه الآية. نقل عن ابن عباس أنه قال: جاء موسى عليه السلام ومعه السبعون وصعد موسى الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل، وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتابا وقربه نجيا، فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه، فقال: { رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ}
قال صاحب «الكشاف»: ثاني مفعولي { أَرِنِي} محذوف، أي { أَرِنِي} نفسك { أَنظُرْ إِلَيْكَ } وفي لفظ الآية سؤالات:
السؤال الأول: النظر: إما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن مقدمتها وهي تقليب الحدقة السليمة إلى جانب المرئي التماسا لرؤيته،
وعلى التقدير الأول: يكون المعنى أرني حتى أراك، وهذا فاسد،
وعلى التقدير الثاني: يكون المعنى أرني حتى أقلب الحدقة إلى جانبك وهذا فاسد لوجهين:
أحدهما: أنه يقتضي إثبات الجهة لله تعالى.
والثاني: أن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية فجعله كالنتيجة عن الرؤية وذلك فاسد.
والجواب: أن قوله: { أَرِنِي} معناه اجعلني متمكنا من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك.
السؤال الثاني: كيف قال: { لَن تَرَانِي} ولم يقل لن تنظر إلي، حتى يكون مطابقا لقوله: { أَنظُرْ إِلَيْكَ}.
والجواب: أن النظر لما كان مقدمة للرؤية كان المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه.
والسؤال الثالث: كيف اتصل الاستدراك في قوله: { وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} بما قبله؟
والجواب: المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحدا لا يقوى على رؤية الله تعالى إلا إذا قواه الله تعالى بمعونته وتأييده، ألا ترى أنه لما ظهر أثر التجلي والرؤية للجبل اندك وتفرق، فهذا من هذا الوجه يدل على تعظيم أمر الرؤية.
أما قوله: { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} فقال الزجاج: { تَجَلَّى} أي ظهر وبان، ومنه يقال جلوت العروس إذا أبرزتها، وجلوت المرآة والسيف إذا أزلت ما عليهما من الصدأ، وقوله: { جَعَلَهُ دَكّاً} قال الزجاج: يجوز {دَكّاً} بالتنوين و {دكاء } بغير تنوين أي جعله مدقوقا مع الأرض يقال: دككت الشيء إذا دققته أدكه دكا، والدكاء والدكاوات: الروابي التي تكون مع الأرض ناشزة. فعلى هذا، الدك مصدر، والدكاء اسم. ثم روى الواحدي بإسناده عن الأخفش في قوله: { جَعَلَهُ دَكّاً} أنه قال: دكه دكا مصدر مؤكد، ويجوز جعله ذا دك. قال ومن قرأ {دكاء } ممدودا أراد جعله دكاء أي أرضا مرتفعة، وهو موافق لما روي عن ابن عباس أنه قال: جعله ترابا. وقوله: { وَخَرَّ موسَى صَعِقاً } قال الليث: الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان، والصعقة الغشية. يقال: صعق الرجل وصعق، فمن قال صعق فهو صعق. ومن قال صعق فهو مصعوق. ويقال أيضا: صعق إذا مات، ومنه قوله تعالى: { فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ }الزمر68 فسروه بالموت. ومنه قوله: { يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ }الطور45 أي يموتون. قال صاحب «الكشاف»: صعق أصله من الصاعقة، ويقال لها: الصاقعة من صقعه إذا ضربه على رأسه.
إذا عرفت هذا فنقول: فسر ابن عباس قوله تعالى: { وَخَرَّ موسَى صَعِقاً } بالغشي، وفسره قتادة بالموت، والأول أقوى، لقوله تعالى: { فَلَمَّا أَفَاقَ} قال الزجاج: ولا يكاد يقال للميت: قد أفاق من موته، ولكن يقال للذي يغشى عليه: أنه أفاق من غشيه، لأن الله تعالى قال في الذين ماتوا: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ}البقرة56.
أما قوله: { قَالَ سُبْحَانَكَ} أي تنزيها لك عن أن يسألك غيرك شيئا بغير إذنك، { تُبْتُ إِلَيْكَ } وفيه وجهان:
الأول:{ تُبْتُ إِلَيْكَ} من سؤال الرؤية في الدنيا.
الثاني:{ تُبْتُ إِلَيْكَ} من سؤال الرؤية بغير إذنك { وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} بأنك لا ترى في الدنيا، أو يقال: { وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد خالد شعراني
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 03/01/2008

مُساهمةموضوع: ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية ( الحلق   الإثنين يناير 28, 2008 6:17 pm

{لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الأنعام103
في هذه الآية مسائل:
المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته والمؤمنين يرونه يوم القيامة من وجوه:
الأول: في تقرير هذا المطلوب أن نقول: هذه الآية تدل على أنه تعالى تجوز رؤيته. وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة.
أما المقام الأول: فتقريره: أنه تعالى تمدح بقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} وذلك مما يساعد الخصم عليه، وعليه بنوا استدلالهم في إثبات مذهبهم في نفي الرؤية.
وإذا ثبت هذا فنقول: لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته. والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها، فثبت أن قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}يفيد المدح، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية، وهذا يدل على أن قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} يفيد كونه تعالى جائز الرؤية، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء. أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة.
فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته.
وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة،
والدليل عليه أن القائل قائلان:
1 - قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه،
2 - وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته.
فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا. فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك، وجب القطع بأن المؤمنين يرونه، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية وهذا استدلال لطيف من هذه الآية
الوجه الثاني: أن نقول المراد بالأبصار في قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}ليس هو نفس الإبصار فإن البصر لا يدرك شيئا البتة في موضع من المواضع. بل المدرك هو المبصر فوجب القطع بأن المراد من قوله {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}هو أنه لا يدركه المبصرون وإذا كان كذلك كان قوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} المراد منه وهو يدرك المبصرين،
ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} يقتضي كونه تعالى مبصرا لنفسه، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته، وكان تعالى يرى نفسه. وكل من قال إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه، قال: إن المؤمنين يرونه يوم القيامةفصارت هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة، وإن أردنا أن نزيد هذا الاستدلال اختصارا قلنا: قوله تعالى: {وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} المراد منه إما نفس البصر أو المبصر، وعلى التقديرين: فيلزم كونه تعالى مبصرا لأبصار نفسه، وكونه مبصرا لذات نفسه.
وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
الوجه الثالث: في الاستدلال بالآية أن لفظ { الأَبْصَارُ}صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}يفيد أنه لا يراه جميع الأبصارفهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب.
إذا عرفت هذا فنقول:
تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيدا ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم. فإذا قيل: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس، وكذا قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} معناه: أنه لا تدركه جميع الأبصار، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار.أقصى ما في الباب أن يقال: هذا تمسك بدليل الخطاب.
فنقول: هب أنه كذلك إلا أنه دليل صحيح لأن بتقدير أن لا يحصل الإدراك لأحد البتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثا، وصون كلام الله تعالى عن العبث واجب.
الوجه الرابع: في التمسك بهذه الآية ما نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان يقول: إن الله تعالى لا يرى بالعين، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة، واحتج عليه بهذه الآية فقال: دلت هذه الآية على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر، وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه، فوجب أن يكون إدراك الله بغير البصر جائزا في الجملة، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا تصلح لذلك ثبت أن يقال: إنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه، فهذه وجوه أربعة مستنبطة من هذه الآية يمكن العويل عليها في إثبات أن المؤمنين يرون الله في القيامة.
المسألة الثانية: في حكاية استدلال المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية.
اعلم أنهم يحتجون بهذه الآية من وجهين:
الأول: أنهم قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية، بدليل أن قائلا لو قال أدركته ببصري وما رأيته، أو قال رأيته وما أدركته ببصري فإنه يكون كلامه متناقضا، فثبت أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية. إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: {اَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال، والدليل على صحة هذا العموم وجهان:
الأول: يصح استثناء جميع الأشخاص وجميع الأحوال عنه فيقال: اَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُإلا بصر فلان، وإلا في الحالة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله. فثبت أن عموم هذه الآية يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص في جميع الأحوال. وذلك يدل على أن أحدا لا يرى الله تعالى في شيء من الأحوال.
الوجه الثاني: في بيان أن هذه الآية تفيد العموم أن عائشة رضي الله عنها لما أنكرت قول ابن عباس في أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج تمسكت في نصرة مذهب نفسها بهذه الآية، ولو لم تكن هذه الآية مفيدة للعموم بالنسبة إلى كل الأشخاص وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال، ولا شك أنها كانت من أشد الناس علما بلغة العرب. فثبت أن هذه الآية دالة على النفي بالنسبة إلى كل الأشخاص وذلك يفيد المطلوب.
الوجه الثاني: في تقرير استدلال المعتزلة بهذه الآية أنهم قالوا: إن ما قبل هذه الآية إلى هذا الموضع مشتمل على المدح والثناء، وقوله بعد ذلك: {وهو يدرك الابصـار } أيضا مدح وثناء فوجب أن يكون قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} مدحا وثناء، وإلا لزم أن يقال: إن ما ليس بمدح وثناء وقع في خلال ما هو مدح وثناء، وذلك يوجب الركاكة وهي غير لائقة بكلام الله. إذا ثبت هذا فنقول: كل ما كان عدمه مدحا ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصا في حق الله تعالى، والنقص على الله تعالى محال، لقوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } (البقرة: 255) وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}الشورى11وقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }الإخلاص3إلى غير ذلك. فوجب أن يقال كونه تعالى مرئيا محال.
واعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من باب الفعل لأنه تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله: {وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ }آل عمران108 وقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ }فصلت46 مع أنه تعالى قادر على الظلم عندهم، فذكروا هذا القيد دفعا لهذا النقض عن كلامهم. فهذا غاية تقرير كلامهم في هذا الباب.
والجواب عن الوجه الأول من وجوه:
الأول: لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية والدليل عليه: أن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول قال تعالى: {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }الشعراء61 أي لملحقون وقال: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ } (يونس: 90) أي لحقه، ويقال: أدرك فلان فلانا، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم، وأدركت الثمرة أي نضجت. فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء. إذا عرفت هذا فنقول: المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته. صار كأن ذلك الإبصار أحاط به فتسمى هذه الرؤية إدراكا، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكا.
فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان:
1 - رؤية مع الإحاطة.
2 - ورؤية لا مع الإحاطة.
والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس. فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عن الله تعالى، فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم.
قلنا: هذا بعيد لأن الإدراك أخص من الرؤية وإثبات الأخص يوجب إثبات الأعم. وأما نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم. فثبت أن البيان الذي ذكرناه يبطل كلامكم ولا يبطل كلامنا.
الوجه الثاني: في الاعتراض أن نقول: هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية، لكن لم قلتم أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص وعن كل الأحوال وفي كل الأوقات؟ وأما الاستدلال بصحة الاستثناء على عموم النفي فمعارض بصحة الاستثناء عن جمع القلة مع أنها لا تفيد عموم النفي بل نسلم أنه يفيد العموم إلا أن نفي العموم غير، وعموم النفي غير، وقد دللنا على أن هذا اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم، وبينا أن نفي العموم يوجب ثبوت الخصوص، وهذا هو الذي قررناه في وجه الاستدلال.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد خالد شعراني
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 03/01/2008

مُساهمةموضوع: ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية ( الحلق   الإثنين يناير 28, 2008 6:19 pm

وأما قوله إن عائشة رضي الله عنها تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية فنقول: معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد، وبالجملة فالدليل العقلي دل على أن قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}يفيد نفي العموم.وثبت بصريح العقل أن نفي العموم مغاير لعموم النفي ومقصودهم إنما يتم لو دلت الآية على عموم النفي، فسقط كلامهم.
الوجه الثالث: أن نقول صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضا، وإذا كان كذلك فقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } يفيد أن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه، ونحن نقول بموجبه فإن هذه الأبصار وهذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى، وإنما تدرك الله تعالى إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها فلم قلتم أن عند حصول هذه التغيرات لا تدرك الله؟
الوجه الرابع: سلمنا أن الأبصار البتة لا تدرك الله تعالى فلم لا يجوز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما كان ضرار بن عمرو يقول به؟ وعلى هذا التقدير فلا يبقى في التمسك بهذه الآية فائدة.
الوجه الخامس: هب أن هذه الآية عامة إلا أن الآيات الدالة على إثبات رؤية الله تعالى خاصة والخاص مقدم على العام، وحينئذ ينتقل الكلام من هذا المقام إلى بيان أن تلك الآيات هل تدل على حصول رؤية الله تعالى أم لا؟
الوجه السادس: أن نقول بموجب الآية فنقول: سلمنا أن الأبصار لا تدرك الله تعالى، فلم قلتم إن المبصرين لا يدركون الله تعالى؟ فهذا مجموع الأسئلة على الوجه الأول،
وأما الوجه الثاني فقد بينا أنه يمتنع حصول التمدح بنفي الرؤية لو كان تعالى في ذاته بحيث تمتنع رؤيته، بل إنما يحصل التمدح لو كان بحيث تصح رؤيته، ثم إنه تعالى يحجب الأبصار عن رؤيته، وبهذا الطريق يسقط كلامهم بالكلية،
ثم نقول: إن النفي يمتنع أن يكون سببا لحصول المدح والثناء، وذلك لأن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجبا للمدح والثناء والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلا على حصول صفة ثابتة من صفات المدح والثناء. قيل: بأن ذلك النفي يوجب المدح. ومثاله أن قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} لا يفيد المدح نظرا إلى هذا النفي. فإن الجماد لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري تعالى يدل على كونه تعالى عالما بجميع المعلومات أبدا من غير تبدل ولا زوال وكذلك قوله: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } (الأنعام: 14) يدل على كونه قائما بنفسه غنيا في ذاته لأن الجماد أيضا لا يأكل ولا يطعم.
إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}يمتنع أن يفيد المدح والثناء إلا إذا دل على معنى موجود يفيد المدح والثناء، وذلك هو الذي قلناه، فإنه يفيد كونه تعالى قادرا على حجب الأبصار ومنعها عن إدراكه ورؤيته. وبهذا التقرير فإن الكلام ينقلب عليهم حجة فسقط استدلال المعتزلة بهذه الآية من كل الوجوه.
المسألة الثالثة: اعلم أن القاضي ذكر في «تفسيره» وجوها أخرى تدل على نفي الرؤية وهي في الحقيقة خارجة عن التمسك بهذه الآية ومنفصلة عن علم التفسير وخوض في علم الأصول، ولما فعل القاضي ذلك فنحن ننقلها ونجيب عنها ثم نذكر لأصحابنا وجوها دالة على صحة الرؤية.
أما القاضي فقد تمسك بوجوه عقلية:
أولها: أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضرا وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة وهي أن لا يحصل القرب القريب ولا البعد البعيد ولا يحصل الحجاب ويكون المرئي مقابلا أو في حكم المقابل فإنه يجب حصول الرؤية، إذ لو جاز مع حصول هذه الأمور أن لا تحصل الرؤية جاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نسمعها ولا نراها وذلك يوجب السفسطة. قالوا إذا ثبت هذا فنقول: إن انتفاء القرب القريب والبعد البعيد والحجاب وحصول المقابلة في حق الله تعالى ممتنع، فلو صحت رؤيته لوجب أن يكون المقتضي لحصول تلك الرؤية هو سلامة الحاسة وكون المرئي تصح رؤيته. وهذان المعنيان حاصلان في هذا الوقت. فلو كان بحيث تصح رؤيته لوجب أن تحصل رؤيته في هذا الوقت. وحيث لم تحصل هذه الرؤية علمنا أنه ممتنع الرؤية.
والحجة الثانية: أن كل ما كان مرئيا كان مقابلا أو في حكم المقابل والله تعالى ليس كذلك، فوجب أن تمتنع رؤيته.
والحجة الثالثة: قال القاضي: ويقال لهم كيف يراه أهل الجنة دون أهل النار؟ إما أن يقرب منهم أو يقابلهم فيكون حالهم معه بخلاف أهل النار وهذا يوجب أنه جسم يجوز عليه القرب والبعد والحجاب.
والحجة الرابعة: قال القاضي: إن قلتم إن أهل الجنة يرونه في كل حال حتى عند الجماع وغيره فهو باطل، أو يرونه في حال دون حال وهذا أيضا باطل، لأن ذلك يوجب أنه تعالى مرة يقرب وأخرى يبعد. وأيضا فرؤيته أعظم اللذات، وإذا كان كذلك وجب أن يكونوا مشتهين لتلك الرؤية أبدا. فإذا لم يروه في بعض الأوقات وقعوا في الغم والحزن وذلك لا يليق بصفات أهل الجنة. فهذا مجموع ما ذكره في «كتاب التفسير». واعلم أن هذه الوجوه في غاية الضعف.
أما الوجه الأول: فيقال له هب أن رؤية الأجسام والأعراض عند حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط واجبة، فلم قلتم إنه يلزم منه أن يكون رؤية الله تعالى عند سلامة الحاسة وعند كون المرئي بحيث يصح رؤيته واجبة؟ ألم تعلموا أن ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات، ولا يلزم من ثبوت حكم في شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه، والعجب من هؤلاء المعتزلة أن أولهم وآخرهم عولوا على هذا الدليل وهم يدعون الفطنة التامة والكياسة الشديدة ولم يتنبه أحد منهم لهذا السؤال ولم يخطر بباله ركاكة هذا الكلام.
وأما الوجه الثاني:
فيقال له إن النزاع بيننا وبينك وقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصا بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا؟ فإما أن تدعوا أن العلم بامتناع رؤية هذا الموجود الموصوف بهذه الصفة علم بديهي أو تقولوا أنه علم استدلالي، والأول باطل لأنه لو كان العلم به بديهيا لما وقع الخلاف فيه بين العقلاء. وأيضا فبتقدير أن يكون هذا العلم بديهيا كان الاشتغال بذكر الدليل عبثا فاتركوا الاستدلال واكتفوا بادعاء البديهة.
وإن كان الثاني فنقول:قولكم المرئي يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل إعادة لعين الدعوى، لأن حاصل الكلام أنكم قلتم: الدليل على أن ما لا يكون مقابلا ولا في حكم المقابل لا تجوز رؤيته، أن كل ما كان مرئيا فإنه يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل، ومعلوم أنه لا فائدة في هذا الكلام إلا إعادة الدعوى.
وأما الوجه الثالث:فيقال له لم لا يجوز أن يقال إن أهل الجنة يرونه وأهل النار لا يرونه؟ لا لأجل القرب والبعد كما ذكرت، بل لأنه تعالى يخلق الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار فلو رجعت في إبطال هذا الكلام إلى أن تجويزه يفضي إلى تجويز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نراها ولا نسمعها، كان هذا رجوعا إلى الطريقة الأولى، وقد سبق جوابها.
وأما الوجه الرابع: فيقال لم لا يجوز أن يقال: إن المؤمنين يرون الله تعالى في حال دون حال. أما قوله فهذا يقتضي أن يقال: إنه تعالى مرة يقرب ومرة يبعد، فيقال هذا عود إلى أن الإبصار لا يحصل إلا عند الشرائط المذكورة، وهو عود إلى الطريق الأول، وقد سبق جوابه،
وقوله ثانيا: الرؤية أعظم اللذات، فيقال له إنها وإن كانت كذلك إلا أنه لا يبعد أن يقال إنهم يشتهونها في حال دون حال، بدليل أن سائر لذات الجنة ومنافعها طيبة ولذيذة ثم إنها تحصل في حال دون حال فكذا ههنا. فهذا تمام الكلام في الجواب عن الوجوه التي ذكرها في هذا الباب.
المسألة الرابعة: في تقرير الوجوه الدالة على أن المؤمنين يرون الله تعالى ونحن بعدها هنا عدا، ونحيل تقريرها إلى المواضع اللائقة بها.
فالأول: أن موسى عليه السلام طلب الرؤية من الله تعالى، وذلك يدل على جواز رؤية الله تعالى.
والثاني: أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل حيث قال: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } (الأعراف: 143) واستقرار الجبل جائز والمعلق على الجائز جائز.
الحجة الثالثة: التمسك بقوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} من الوجوه المذكورة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد خالد شعراني
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 03/01/2008

مُساهمةموضوع: ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية ( الحلق   الإثنين يناير 28, 2008 6:21 pm

ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية ( الحلقة الخامســـة )





الحجة الرابعة: التمسك بقوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَىوَزِيَادَةٌ } (يونس: 26)
{لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }يونس26
اعلم أنه تعالى لما دعا عباده إلى دار السلام، ذكر السعادات التي تحصل لهم فيها فقال: { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } فيحتاج إلى تفسير هذه الألفاظ الثلاثة. أما اللفظ الأول: وهو قوله: { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } فقال ابن عباس: معناه: للذين ذكروا كلمة لا إله إلا الله. وقال الأصم: معناه: للذين أحسنوا في كل ما تعبدوا به، ومعناه:أنهم أتوا بالمأمور به كما ينبغي، واجتنبوا المنهيات من الوجه الذي صارت منهيا عنها. والقول الثاني: أقرب إلى الصواب لأن الدرجات العالية لا تحصل إلا لأهل الطاعات.
وأما اللفظ الثاني: وهو { الْحُسْنَى} فقال ابن الأنباري: الحسنى في اللغة تأنيث الأحسن، والعرب توقع هذه اللفظة على الحالة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها، ولذلك لم تؤكد، ولم تنعت بشيء، وقال صاحب «الكشاف»: المراد: المثوبة الحسنى. ونظير هذه الآية قوله: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ }الرحمن60. وأما اللفظ الثالث: وهو الزيادة. فنقول: هذه الكلمة مبهمة، ولأجل هذا اختلف الناس في تفسيرها، وحاصل كلامهم يرجع إلى قولين:
القول الأول: أن المراد من منها رؤية الله سبحانه وتعالى. قالوا: والدليل عليه النقل والعقل. أما النقل: فالحديث الصحيح الوارد فيه، وهو أن الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى الله سبحانه وتعالى.
وأما العقل: فهو أن الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف، فانصرف إلى المعهود السابق، وهو دار للسلام. والمعروف من المسلمين والمتقرر بين أهل الإسلام من هذه اللفظة هو الجنة، وما فيها من المنافع والتعظيم. وإذا ثبت هذا، وجب أن يكون المراد من الزيادة أمرا مغايرا لكل ما في الجنة من المنافع والتعظيم، وإلا لزم التكرار. وكل من قال بذلك قال: إنما هي رؤية الله تعالى. فدل ذلك على أن المراد من هذه الزيادة: الرؤية. ومما يؤكد هذا وجهان:
الأول: أنه تعالى قال: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } (القيامة: 22، 23) فأثبت لأهل الجنة أمرين:
أحدهما: نضرة الوجوه
والثاني: النظر إلى الله تعالى، وآيات القرآن يفسر بعضها بعضا فوجب حمل الحسنى ههنا على نضرة الوجوه، وحمل الزيادة على رؤية الله تعالى.
الثاني: أنه تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم : {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً }الإنسان20 أثبت له النعيم، ورؤية الملك الكبير، فوجب ههنا حمل الحسنى والزيادة على هذين الأمرين.
القول الثاني: أنه لا يجوز حمل هذه الزيادة على الرؤية. قالت المعتزلة ويدل على ذلك وجوه:
الأول: أن الدلائل العقلية دلت على أن رؤية الله تعالى ممتنعة.
والثاني: أن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله تعالى ليست من جنس نعيم الجنة.
الثالث: أن الخبر الذي تمسكتم به في هذا الباب هو ما روي أن الزيادة، هي النظر إلى وجه الله تعالى، وهذا الخبر يوجب التشبيه، لأن النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي. وذلك يقتضي كون المرئي في الجهة، لأن الوجه اسم للعضو المخصوص، وذلك أيضا يوجب التشبيه. فثبت أن هذا اللفظ لا يمكن حمله على الرؤية، فوجب حمله على شيء آخر، وعند هذا قال الجبائي: الحسنى عبارة عن الثواب المستحق، والزيادة هي ما يزيده الله تعالى على هذا الثواب من التفضل.
قال: والذي يدل على صحته، القرآن وأقوال المفسرين. أما القرآن: فقوله تعالى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ } (فاطر: 30).
وأما أقوال المفسرين: فنقل عن علي رضي الله عنه أنه قال: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة.
وعن ابن عباس: أن الحسنى هي الحسنة، والزيادة عشر أمثالها
وعن الحسن: عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف،
وعن مجاهد: الزيادة مغفرة الله ورضوانه.
وعن يزيد بن سمرة: الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم. فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم.
أجاب أصحابنا عن هذه الوجوه فقالوا: أما قولكم إن الدلائل العقلية دلت على امتناع رؤية الله تعالى فهذا ممنوع، لأنا بينا في كتب الأصول أن تلك الدلائل في غاية الضعف ونهاية السخافة،وإذا لم يوجد في العقل ما يمنع من رؤية الله تعالى وجاءت الأخبار الصحيحة بإثبات الرؤية، وجب إجراؤها على ظواهرها.
أما قوله الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه. فنقول: المزيد عليه، إذا كان مقدرا بمقدار معين، وجب أن تكون الزيادة عليه مخالفة له.
مثال الأول: قول الرجل لغيره: أعطيتك عشرة أمداد من الحنطة وزيادة، فههنا يجب أن تكون تلك الزيادة من الحنطة.
ومثال الثاني: قوله أعطيتك الحنطة وزيادة، فههنا يجب أن تكون تلك الزيادة غير الحنطة، والمذكور في هذه الآية لفظ { الْحُسْنَى} وهي الجنة، وهي مطلقة غير مقدرة بقدر معين، فوجب أن تكون تلك الزيادة عليها شيئا مغايرا لكل ما في الجنة. وأما قوله: الخبر المذكور في هذا الباب، اشتمل على لفظ النظر، وعلى إثبات الوجه لله تعالى، وكلاهما يوجبان التشبيه. فنقول: هذا الخبر أفاد إثبات الرؤية، وأفاد إثبات الجسمية. ثم قام الدليل على أنه ليس بجسم، ولم يقم الدليل على امتناع رؤيته، فوجب ترك العمل بما قام الدليل على فساده فقط، وأيضا فقد بينا أن لفظ هذه الآية يدل على أن الزيادة هي الرؤية من غير حاجة تنافي تقرير ذلك الخبر، والله أعلم.

الحجة الخامسة: التمسك بقوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ } (الكهف: 110) وكذا القول في جميع الآيات المشتملة على اللقاء وتقريره قد مر في هذا التفسير مرارا وأطوارا

{قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً*قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف110
وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيصالأولين نبه على كمال حال القرآن فقال: {قل لو كان البحر مدادا لكلمـات ربى } والمداد اسم لما تمد به الدواة من الحبر ولما يمد به السراج من السليط، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وكان البحر مدادا لها والمراد بالبحر الجنس لنفد قبل أن تنفد الكلمات، تقرير الكلام أن البحار كيفما فرضت في الاتساع والعظمة فهي متناهية ومعلومات الله غير متناهية والمتناهي لا يفي البتة بغير المتناهي، قرأ حمزة والكسائي ينفد بالياء لتقدم الفعل على الجمع والباقون بالتاء لتأنيث كلمات، وروي أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً } (البقرة: 269) ثم تقرأون: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (الإسراء: 85) فنزلت هذه الآية يعني أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.
المسألة الثانية: احتج المخالفون على الطعن في قول أصحابنا أن كلام الله تعالى واحد بهذه الآية، وقالوا: إنها صريحة في إثبات كلمات الله تعالى وأصحابنا حملوا الكلمات على متعلقات علم الله تعالى،
قال الجبائي: وأيضا قوله: { قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} يدل على أن كلمات الله تعالى قد تنفد في الجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه، وأيضا قال: { وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} وهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يجيء بمثل كلامه والذي يجاء به يكون محدثا والذي يكون المحدث مثلا له فهو أيضا محدث.
وجواب أصحابنا أن المراد منه الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية، واعلم أنه تعالى لما بين كمال كلام الله أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يسلك طريقة التواضع فقال: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} أي لا امتياز بيني وبينكم في شيء من الصفات إلا أن الله تعالى أوحى إلي أنه لا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد، والآية تدل على مطلوبين:
الأول: أن كلمة {إنما } تفيد الحصروهي قوله: {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ }. والثاني: أن كون الإله تعالى: {إلـاها واحدا } يمكن إثباته بالدلائل السمعية، وقد قررنا هذين المطلوبين في سائر السور بالوجوه القوية، ثم قال: { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ} والرجاء هو ظن المنافع الواصلة إليه والخوف ظن المضار الواصلة إليه، وأصحابنا حملوا لقاء الرب على رؤيتهوالمعتزلة حملوه على لقاء ثواب الله وهذه المناظرة قد تقدمت والعجب أنه تعالى أورد في آخر هذه السورة ما يدل على حصول رؤية الله في ثلاث آيات: أولها: قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ } (الكهف: 105). وثانيها: قوله: {كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً } (الكهف: 107) وثالثها: قوله: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ } ولا بيان أقوى من ذلك ثم قال: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً } أي من حصل له رجاء لقاء الله فليشتغل بالعمل الصالح ولما كان العمل الصالح قد يؤتي به لله وقد يؤتى به للرياء والسمعة لا جرم اعتبر فيه قيدان: أن يؤتى به لله، وأن يكون مبرأ عن جهات الشرك، فقال: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}. قيل: نزلت هذه الآية في جندب بن زهير قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : «إني أعمل العمل لله تعالى فإذا اطلع عليه أحد سرني» فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبل ما شورك فيه» وروي أيضا أنه قال له: «لك أجران أجر السر وأجر العلانية» فالرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد
بعمله الرياء والسمعة، والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدى به، والمقام الأول مقام المبتدئين، والمقام الثاني مقام الكاملين والحمد صلى الله عليه وسلم رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد خالد شعراني
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 03/01/2008

مُساهمةموضوع: ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية ( ح - 6   الإثنين يناير 28, 2008 6:24 pm

ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية ( الحلقة الســـــــــادســــة )



الحجة السادسة: التمسك بقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً }الإنسان20 فإن إحدى القراآت في هذه الآية: {ملكا } بفتح الميم وكسر اللام، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى. وعندي التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها.
{ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً }الإنسان20 وفيه مسائل:
المسألة الأولى: رأيت هل له مفعول؟ فيه قولان:
الأول: قال الفراء: المعنى وإذا رأيت ما ثم وصلح إضمار ما كما قال: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}الأنعام94 يريد ما بينكم،
قال الزجاج: لا يجوز إضمار ما لأن ثم صلة وما موصولها، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة
الثاني: أنه ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر والغرض منه أن يشبع ويعم، كأنه قيل: وإذا وجدت الرؤية ثم، ومعناه أن بصر الرائي أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم كثير وملك كبير، وثم في موضع النصب على الظرف يعني في الجنة. المسألة الثانية: اعلم أن اللذات الدنيوية محصورة في أمور ثلاثة. قضاء الشهوة، وإمضاء الغضب،واللذة الخيالية التي يعبر عنها بحب المال والجاه، وكل ذلك مستحقر فإن الحيوانات الخسيسة قد تشارك الإنسان في واحد منها، فالملك الكبير الذي ذكره الله ههنا لا بد وأن يكون مغايرا لتلك اللذات الحقيرة، وما هو إلا أن تصير نفسه منقشة بقدس الملكوت متحلية بجلال حضرة اللاهوت، وأما ما هو على أصول المتكلمين، فالوجه فيه أيضا أنه الثواب والمنفعة المقرونة بالتعظيم فبين تعالى في الآيات المتقدمة تفصيل تلك المنافع وبين في هذه الآية حصول التعظيم وهو أن كل واحد منهم يكون كالملك العظيم، وأما المفسرون فمنهم من حمل هذا الملك الكبير على أن هناك منافع أزيد مما تقدم ذكره، قال ابن عباس: لا يقدر واصف يصف حسنه ولا طيبه. ويقال: إن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام ويرى أقصاه كمايرى أدناه، وقيل: لا زوال له وقيل: إذا أرادوا شيئا حصل، ومنهم من حمله على التعظيم. فقال الكلبي: هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه، ولا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بعد الاستئذان.
المسألة الثالثة: قال بعضهم قوله: { وَإِذَا رَأَيْتَ} خطاب لمحمد خاصة، والدليل عليه أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن دخلت الجنة أترى عيناي ما ترى عيناك؟ فقال نعم، فبكى حتى مات، وقال آخرون: بل هو خطاب لكل أحد.
الحجة السابعة: التمسك بقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }المطففين15 وتخصيص الكفار بالحجب يدل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين عن رؤية الله عز وجل.
. أما قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }المطففين15
فاعلم أنهم ذكروا في {كلا } وجوها:
أحدها: قال صاحب «الكشاف»: {كلا } ردع عن الكسب الرائن عن قلوبهم وثانيها: قال القفال: إن الله تعالى حكى في سائر السور عن هذا المعتدي الأثيم أنه كان يقول إن كانت الآخرة حقا، فإن الله تعالى يعطيه مالا وولدا، ثم إنه تعالى كذبه في هذه المقالة فقال: {أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً }مريم78 قال: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى} (فصلت: 50) ولما كان هذا مما قد تردد ذكره في القرآن ترك الله ذكره ههنا وقال: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }المطففين15أي ليس الأمر كما يقولون: من أن لهم في الآخرة حسنى بل هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
وثانيها: أن يكون ذلك تكريرا وتكون {كلا } هذه هي المذكورة في قوله: { كلا كَلَّا بَلْ رَانَ} أما قوله: { إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} فقد احتج الأصحاب على أن المؤمنين يرونه سبحانه قالوا: ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة، وفيه تقرير آخر وهو أنه تعالى ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد والتهديد للكفار، وما يكون وعيدا وتهديدا للكفار لا يجوز حصوله في حق المؤمن، فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب في حق المؤمن
أجابت المعتزلة عن هذا من وجوه:
أحدها: قال الجبائي: المراد أنهم عن رحمة ربهم محجوبون أي ممنوعون، كما يقال في الفرائض: الإخوة يحجبون الأم على الثلث، ومن ذلك يقال: لمن يمنع عن الدخول هو حاجب، لأنه يمنع من رؤيته.
وثانيها: قال أبو مسلم: { لَّمَحْجُوبُونَ} أي غير مقربين، والحجاب الرد وهو ضد القبول، والمعنى هؤلاء المنكرون للبعث غير مقبولين عند الله وهو المراد من قوله تعالى: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ }آل عمران77 ،
وثالثها: قال القاضي: الحجاب ليس عبارة عن عدم الرؤية، فإنه قد يقال: حجب فلان عن الأمير، وإن كان قد رآه من البعد، وإذا لم يكن الحجاب عبارة عن عدم الرؤية سقط الاستدلال، بل يجب أن يحمل على صيرورته ممنوعا عن وجدان رحمته تعالى.
ورابعها: قال صاحب «الكشاف»: كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للمكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا المهانون عندهم
والجواب: لا شك أن من منع من رؤية شيء يقال: إنه حجب عنه، وأيضا من منع من الدخول على الأمير يقال: إنه حجب عنه، وأيضا يقال الأم حجبت عن الثلث بسبب الإخوة، وإذا وجدنا هذه الاستعمالات وجب جعل اللفظ حقيقة في مفهوم مشترك بين هذه المواضع دفعا للاشتراك في اللفظ، وذلك هو المنع. ففي الصورة الأولى حصل المنع من الرؤية، وفي الثاني حصل المنع من الوصول إلى قربه، وفي الثالثة: حصل المنع من استحقاق الثلث، فيصير تقدير الآية: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لممنوعون، والمنع إنما يتحقق بالنسبة إلى ما يثبت للعبد بالنسبة إلى الله تعالى، وهو إما العلم، وإما الرؤية، ولا يمكن حمله على العلم، لأنه ثابت بالاتفاق للكفار، فوجبحمله على الرؤية. أما صرفه إلى الرحمة فهو عدول عن الظاهر من غير دليل، وكذا ما قاله صاحب «الكشاف»: ترك للظاهر من غير دليل، ثم الذي يؤكد ما ذكرناه من الدليل أقوال المفسرين.
قال مقاتل: معنى الآية أنهم بعد العرض والحساب، لا يرون ربهم، والمؤمنون يرون ربهم،
وقال الكلبي:يقول إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه،
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه لا بد وأن يتجلى لأوليائه حتى يروه،
وعن الشافعي لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا.

الحجة الثامنة: التمسك بقوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى } (النجم: 13، 14)
الحجة التاسعة: أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل الوجوه، وأكمل طرق المعرفة هو الرؤية. فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ } (فصلت: 31) .
الحجة العاشرة: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }الكهف107 دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل جميع جنات الفردوس نزلا للمؤمنين، والاقتصار فيها على النزل لا يجوز، بل لا بد وأن يحصل عقيب النزل تشريف أعظم حالا من ذلك النزل، وما ذاك إلا الرؤية.



{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }الكهف107
في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد، ولما ذكر في الكفار أن جهنم نزلهم، أتبعه بذكر ما يرغب في الإيمان والعمل الصالح. فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }.
المسألة الثانية: عطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه وذلك يدل على أن الأعمال الصالحة مغايرة للإيمان.
المسألة الثالثة: عن قتادة الفردوس وسط الجنة وأفضلها، وعن كعب ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس، وفيها الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وعن مجاهد الفردوس هو البستان بالرومية، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، ومنها الأنهار الأربعة والفردوس من فوقها، فإذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنها تتفجر أنهار الجنة».
المسألة الرابعة: قال بعضهم إنه تعالى جعل الجنة بكليتها نزلا للمؤمنين والكريم إذا أعطى النزل أولا فلا بد أن يتبعه بالخلعة وليس بعد الجنة بكليتها إلا رؤية الله،
فإن قالوا: أليس أنه تعالى جعل في الآية الأولى جملة جهنم نزلا الكافرين ولم يبق بعد جملة جهنم عذاب آخر، فكذلك ههنا جعل جملة الجنة نزلا للمؤمنين مع أنه ليس له شيء آخر بعد الجنة،
والجواب: قلنا للكافر بعد حصول جهنم مرتبة أعلى منها وهو كونه محجوبا عن رؤية الله كما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ* ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ} (المطففين 14-15) فجعل الصلاء بالنار متأخر في المرتبة عن كونه محجوبا عن الله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد خالد شعراني
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 03/01/2008

مُساهمةموضوع: ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية (ح-6)   الإثنين يناير 28, 2008 6:26 pm

ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية ( الحلقة الســـــــــادســــة )
الحجة السادسة: التمسك بقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً }الإنسان20 فإن إحدى القراآت في هذه الآية: {ملكا } بفتح الميم وكسر اللام، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى. وعندي التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها.
{ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً }الإنسان20 وفيه مسائل:
المسألة الأولى: رأيت هل له مفعول؟ فيه قولان:
الأول: قال الفراء: المعنى وإذا رأيت ما ثم وصلح إضمار ما كما قال: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ}الأنعام94 يريد ما بينكم،
قال الزجاج: لا يجوز إضمار ما لأن ثم صلة وما موصولها، ولا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة
الثاني: أنه ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر والغرض منه أن يشبع ويعم، كأنه قيل: وإذا وجدت الرؤية ثم، ومعناه أن بصر الرائي أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم كثير وملك كبير، وثم في موضع النصب على الظرف يعني في الجنة. المسألة الثانية: اعلم أن اللذات الدنيوية محصورة في أمور ثلاثة. قضاء الشهوة، وإمضاء الغضب،واللذة الخيالية التي يعبر عنها بحب المال والجاه، وكل ذلك مستحقر فإن الحيوانات الخسيسة قد تشارك الإنسان في واحد منها، فالملك الكبير الذي ذكره الله ههنا لا بد وأن يكون مغايرا لتلك اللذات الحقيرة، وما هو إلا أن تصير نفسه منقشة بقدس الملكوت متحلية بجلال حضرة اللاهوت، وأما ما هو على أصول المتكلمين، فالوجه فيه أيضا أنه الثواب والمنفعة المقرونة بالتعظيم فبين تعالى في الآيات المتقدمة تفصيل تلك المنافع وبين في هذه الآية حصول التعظيم وهو أن كل واحد منهم يكون كالملك العظيم، وأما المفسرون فمنهم من حمل هذا الملك الكبير على أن هناك منافع أزيد مما تقدم ذكره، قال ابن عباس: لا يقدر واصف يصف حسنه ولا طيبه. ويقال: إن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام ويرى أقصاه كمايرى أدناه، وقيل: لا زوال له وقيل: إذا أرادوا شيئا حصل، ومنهم من حمله على التعظيم. فقال الكلبي: هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه، ولا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بعد الاستئذان.
المسألة الثالثة: قال بعضهم قوله: { وَإِذَا رَأَيْتَ} خطاب لمحمد خاصة، والدليل عليه أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن دخلت الجنة أترى عيناي ما ترى عيناك؟ فقال نعم، فبكى حتى مات، وقال آخرون: بل هو خطاب لكل أحد.
الحجة السابعة: التمسك بقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }المطففين15 وتخصيص الكفار بالحجب يدل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين عن رؤية الله عز وجل.
. أما قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }المطففين15
فاعلم أنهم ذكروا في {كلا } وجوها:
أحدها: قال صاحب «الكشاف»: {كلا } ردع عن الكسب الرائن عن قلوبهم وثانيها: قال القفال: إن الله تعالى حكى في سائر السور عن هذا المعتدي الأثيم أنه كان يقول إن كانت الآخرة حقا، فإن الله تعالى يعطيه مالا وولدا، ثم إنه تعالى كذبه في هذه المقالة فقال: {أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً }مريم78 قال: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى} (فصلت: 50) ولما كان هذا مما قد تردد ذكره في القرآن ترك الله ذكره ههنا وقال: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }المطففين15أي ليس الأمر كما يقولون: من أن لهم في الآخرة حسنى بل هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون
وثانيها: أن يكون ذلك تكريرا وتكون {كلا } هذه هي المذكورة في قوله: { كلا كَلَّا بَلْ رَانَ} أما قوله: { إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} فقد احتج الأصحاب على أن المؤمنين يرونه سبحانه قالوا: ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة، وفيه تقرير آخر وهو أنه تعالى ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد والتهديد للكفار، وما يكون وعيدا وتهديدا للكفار لا يجوز حصوله في حق المؤمن، فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب في حق المؤمن
أجابت المعتزلة عن هذا من وجوه:
أحدها: قال الجبائي: المراد أنهم عن رحمة ربهم محجوبون أي ممنوعون، كما يقال في الفرائض: الإخوة يحجبون الأم على الثلث، ومن ذلك يقال: لمن يمنع عن الدخول هو حاجب، لأنه يمنع من رؤيته.
وثانيها: قال أبو مسلم: { لَّمَحْجُوبُونَ} أي غير مقربين، والحجاب الرد وهو ضد القبول، والمعنى هؤلاء المنكرون للبعث غير مقبولين عند الله وهو المراد من قوله تعالى: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ }آل عمران77 ،
وثالثها: قال القاضي: الحجاب ليس عبارة عن عدم الرؤية، فإنه قد يقال: حجب فلان عن الأمير، وإن كان قد رآه من البعد، وإذا لم يكن الحجاب عبارة عن عدم الرؤية سقط الاستدلال، بل يجب أن يحمل على صيرورته ممنوعا عن وجدان رحمته تعالى.
ورابعها: قال صاحب «الكشاف»: كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للمكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا المهانون عندهم
والجواب: لا شك أن من منع من رؤية شيء يقال: إنه حجب عنه، وأيضا من منع من الدخول على الأمير يقال: إنه حجب عنه، وأيضا يقال الأم حجبت عن الثلث بسبب الإخوة، وإذا وجدنا هذه الاستعمالات وجب جعل اللفظ حقيقة في مفهوم مشترك بين هذه المواضع دفعا للاشتراك في اللفظ، وذلك هو المنع. ففي الصورة الأولى حصل المنع من الرؤية، وفي الثاني حصل المنع من الوصول إلى قربه، وفي الثالثة: حصل المنع من استحقاق الثلث، فيصير تقدير الآية: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لممنوعون، والمنع إنما يتحقق بالنسبة إلى ما يثبت للعبد بالنسبة إلى الله تعالى، وهو إما العلم، وإما الرؤية، ولا يمكن حمله على العلم، لأنه ثابت بالاتفاق للكفار، فوجبحمله على الرؤية. أما صرفه إلى الرحمة فهو عدول عن الظاهر من غير دليل، وكذا ما قاله صاحب «الكشاف»: ترك للظاهر من غير دليل، ثم الذي يؤكد ما ذكرناه من الدليل أقوال المفسرين.
قال مقاتل: معنى الآية أنهم بعد العرض والحساب، لا يرون ربهم، والمؤمنون يرون ربهم،
وقال الكلبي:يقول إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه،
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه لا بد وأن يتجلى لأوليائه حتى يروه،
وعن الشافعي لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا.

الحجة الثامنة: التمسك بقوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى } (النجم: 13، 14)
الحجة التاسعة: أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل الوجوه، وأكمل طرق المعرفة هو الرؤية. فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ } (فصلت: 31) .
الحجة العاشرة: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }الكهف107 دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل جميع جنات الفردوس نزلا للمؤمنين، والاقتصار فيها على النزل لا يجوز، بل لا بد وأن يحصل عقيب النزل تشريف أعظم حالا من ذلك النزل، وما ذاك إلا الرؤية.



{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }الكهف107
في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد، ولما ذكر في الكفار أن جهنم نزلهم، أتبعه بذكر ما يرغب في الإيمان والعمل الصالح. فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }.
المسألة الثانية: عطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه وذلك يدل على أن الأعمال الصالحة مغايرة للإيمان.
المسألة الثالثة: عن قتادة الفردوس وسط الجنة وأفضلها، وعن كعب ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس، وفيها الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وعن مجاهد الفردوس هو البستان بالرومية، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، ومنها الأنهار الأربعة والفردوس من فوقها، فإذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنها تتفجر أنهار الجنة».
المسألة الرابعة: قال بعضهم إنه تعالى جعل الجنة بكليتها نزلا للمؤمنين والكريم إذا أعطى النزل أولا فلا بد أن يتبعه بالخلعة وليس بعد الجنة بكليتها إلا رؤية الله،
فإن قالوا: أليس أنه تعالى جعل في الآية الأولى جملة جهنم نزلا الكافرين ولم يبق بعد جملة جهنم عذاب آخر، فكذلك ههنا جعل جملة الجنة نزلا للمؤمنين مع أنه ليس له شيء آخر بعد الجنة،
والجواب: قلنا للكافر بعد حصول جهنم مرتبة أعلى منها وهو كونه محجوبا عن رؤية الله كما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ* ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ} (المطففين 14-15) فجعل الصلاء بالنار متأخر في المرتبة عن كونه محجوبا عن الله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد خالد شعراني
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 03/01/2008

مُساهمةموضوع: ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية (ح -7)   الإثنين يناير 28, 2008 6:28 pm

ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية ( الحلقة الســـــــــابعة )


الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }(القيامة: 22، 23)
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ }القيامة22

{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ }. قال الليث: نضر اللون والشجر والورق ينضر نضرة، والنضرة النعمة، والناضر الناعم، والنضر الحسن من كل شيء، ومنه يقال للون إذا كان مشرقا: ناضر، فيقال: أخضر ناضر، وكذلك في جميع الألوان، ومعناه الذي يكون له برق، وكذلك يقال: شجر ناضر، وروض ناضر. ومنه قوله عليه السلام: «نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها» الحديث. أكثر الرواة رواه بالتخفيف، وروى عكرمة عن الأصمعي: فيه التشديد، وألفاظ المفسرين مختلفة في تفسير الناضر، ومعناها واحد قالوا:مسرورة، ناعمة، مضيئة، مسفرة، مشرقة بهجة.
وقال الزجاج: نضرت بنعيم الجنة، كماقال: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ }المطففين24. { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }القيامة23.
اعلم أن جمهور أهل السنة يتمسكون بهذه الآية في إثبات أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة.
أما المعتزلة فلهم ههنا مقامان أحدهما:
1 - بيان أن ظاهره لا يدل على رؤية الله تعالى
2 - والثاني: بيان التأويل.
أما المقام الأول: فقالوا: النظر المقرون بحرف إلى ليس اسما للرؤية، بل لمقدمة الرؤية وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماس لرؤيته، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة، وكالإصغاء بالنسبة إلى السماع، فكما أن نظر القلب مقدمة للمعرفة، والإصغاء مقدمة للسماع، فكذا نظر العين مقدمة للرؤية، قالوا: والذي يدل على أن النظر ليس اسما للرؤية وجوه:
الأول: قوله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ }الأعراف198 أثبت النظر حال عدم الرؤية، فدل على أن النظر غير الرؤية.
والثاني: أن النظر يوصف بما لا توصف به الرؤية، يقال: نظر إليه نظرا شرزا، ونظر غضبان، ونظر راض، وكل ذلك لأجل أن حركة الحدقة تدل على هذه الأحوال،ولا توصف الرؤية بشيءمن ذلك، فلا يقال: رآه شزرا، ورآه رؤية غضبان، أو رؤية راض.
الثالث: يقال: انظر إليه حتى تراه، ونظرت إليه فرأيته، وهذا يفيد كون الرؤية غاية للنظر، وذلك يوجب الفرق بين النظر والرؤية.
الرابع: يقال: دور فلان متناظرة، أي متقابلة، فمسمى النظر حاصل ههنا، ومسمى الرؤية غير حاصل.
الخامس: قول الشاعر:

( وجوه ناظرات يوم بدر % إلى الرحمن تنتظر الخلاصا )

أثبت النظر المقرون بحرف إلى مع أن الرؤية ما كانت حاصلة.
السادس: احتج أبو علي الفارسي على أن النظر ليس عبارة عن الرؤية، التي هي إدراك البصر، بل هو عبارة عن تقليب الحدقة نحو الجهة التي فيها الشيء الذي يراد رؤيته، لقول الشاعر:

( فيامي هل يجزي بكائي بمثله % مرارا وأنفاسي إليك الزوافر )
( وأنى متى أشرف على الجانب الذي % به أنت من بين الجوانب ناظرا )

قال: فلو كان النظر عبارة عن الرؤية لما طلب الجزاء عليه، لأن المحب لم يطلب الثواب على رؤية المحبوب، فإن ذلك من أعظم مطالبه، قال: ويدل على ذلك أيضا قول الآخر:

( ونظرة ذي شجن وامق % إذا ما الركائب جاوزن ميلا )

والمراد منه تقليب الحدقة نحو الجانب الذي فيه المحبوب، فعلمنا بهذه الوجوه أن النظر المقرون بحرف إلى ليس اسما للرؤية.
السابع: أن قوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }القيامة23 معناه أنها تنظر إلى ربها خاصة ولا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، ألا ترى إلى قوله: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ }القيامة12{إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ }القيامة30{أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ }الشورى53{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }البقرة245{وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ}آل عمران28{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}الشورى10 كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر، ولا تدخل تحت العدد في موقف القيامة، فإن المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }يونس62 فلما دلت الآية على أن النظر ليس إلا إلى الله، ودل العقل على أنهم يرون غير الله، علمنا أن المراد من النظر إلى الله ليس هو الرؤية الثامن: قال تعالى: {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }آل عمران77 ولو قال: لا يراهم كفي، فلما نفى النظر، ولم ينف الرؤية دل على المغايرة، فثبت بهذه الوجوه، أن النظر المذكور في هذه الآية ليس هو الرؤية. المقام الثاني: في بيان التأويل المفصل، وهو من وجهين الأول: أن يكون الناظر بمعنى المنتظر، أي أولئك الأقوام ينتظرون ثواب الله، وهو كقول القائل، إنما أنظر إلى فلان في حاجتي والمراد أنتظر نجاحها من جهته، وقال تعالى: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ }النمل35 وقال: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ }البقرة280 لا يقال: النظر المقرون بحرف إلى غير مستعمل في معنى الانتظار، ولأن الانتظار غم وألم، وهو لا يليق بأهل السعادة يوم القيامة، لأنا نقول: الجواب: عن الأول من وجهين الأول: النظر المقرون بحرف إلى قد يستعمل بمعنى الانتظار، والتوقع والدليل عليه أنه يقال: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، والمراد منه التوقع والرجاء، وقال الشاعر:

( وإذا نظرت إليك من ملك % والبحر دونك زدتني نعما )

وتحقيق الكلام فيه أن قولهم في الانتظار نظرت بغير صلة، فإنما ذلك في الانتظار لمجيء الإنسان بنفسه، فأما إذا كان منتظرا لرفده ومعونته، فقد يقال فيه: نظرت إليه كقول الرجل، وإنما نظري إلى الله ثم إليك، وقد يقول ذلك من لا يبصر، ويقول الأعمى في مثل هذا المعنى: عيني شاخصة إليك، ثم إن سلمنا ذلك لكن لا نسلم إن المراد من إلى ههنا حرف التعدي. بل هو واحد الآلاء، والمعنى: وجوه يومئذ ناضرة نعمة ربها منتظرة.
وأما السؤال الثاني: وهو أن الانتظار غم وألم، فجوابه أن المنتظر. إذا كان فيما ينتظره على يقين من الوصول إليه، فإنه يكون في أعظم اللذات.
التأويل الثاني: أن يضمر المضاف، والمعنى إلى ثواب ربها ناظرة، قالوا: وإنما صرنا إلى هذا التأويل، لأنه لما دلت الدلائل السمعية والعقلية على أنه تعالى تمتنع رؤيته وجب المصير إلى التأويل، ولقائل أن يقول: فهذه الآية تدل أيضا على أن النظر ليس عبارة عن تقليب الحدقة، لأنه تعالى قال: لا ينظر إليهم وليس المراد أنه تعالى يقلب الحدقة إلى جهنم فإن قلتم: المراد أنه لا ينظر إليهم نظر الرحمة كان ذلك جوابنا عما قالوه.
التأويل الثالث: أن يكون معنى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }القيامة23 أنها لا تسأل ولا ترغب إلا إلى الله، وهو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: «اعبد الله كأنك تراه» فأهل القيامة لشدة تضرعهم إليه وانقطاع أطماعهم عن غيره صاروا كأنهم ينظرون إليه.
الجواب: قوله: ليس النظر عبارة عن الرؤية، قلنا: ههنا مقامان:
الأول: أن تقيم الدلالة على أن النظر هو الرؤية من وجهين:
الأول: ما حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام وهو قوله: {أَنظُرْ إِلَيْكَ}الأعراف143 فلو كان النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئي، لاقتضت الآية أن موسى عليه السلام أثبت لله تعالى وجهة ومكانا وذلك محال الثاني: أنه جعل النظر أمرا مرتبا على الإرادة فيكون النظر متأخرا عن الإرادة، وتقليب الحدقة غير متأخر عن الإرادة، فوجب أن يكون النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئي.
المقام الثاني: وهو الأقرب إلى الصواب، سلمنا أن النظر عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته لكنا نقول: لما تعذر حمله على حقيقته وجب حمله على مسببه وهو الرؤية، إطلاقا لاسم السبب على المسبب، وحمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار، لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية ولا تعلق بينه وبين الانتظار، فكان حمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار.
أما قوله: النظر جاء بمعنى الانتظار، قلنا: لنا في الجواب مقامان:
الأول: أن النظر الوارد بمعنى الانتظار كثير في القرآن، ولكنه لم يقرن ألبتة بحرف إلى كقوله تعالى: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } الحديد13 وقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } (الأعراف: 53){هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ } (البقرة: 210)والذي ندعيه أن النظر المقرون بحرف إلى المعدي إلى الوجوه ليس إلا بمعنى الرؤية أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ظاهر، فوجب أن لا يرد بمعنى الانتظار دفعا للاشتراك.
وأما قول الشاعر:

( وجوه ناظرات يوم بدر % إلى الرحمن تنتظر الخلاصا )

قلنا: هذا الشعر موضوع والرواية الصحيحة:

( وجوه ناظرات يوم بكر % إلى الرحمن تنتظر الخلاصا )

والمراد من هذا الرحمن مسيلمة الكذاب، لأنهم كانوا يسمونه رحمن اليمامة، فأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه التخلص من الأعداء،
وأما قول الشاعر: وإذا نظـرت إليـك مـن مـلك فالجواب: أن قوله: وإذا نظرت إليك، لا يمكن أن يكون المراد منه الانتظار، لأن مجرد الانتظار لا يستعقب العطية بل المراد من قوله: وإذا نظرت إليك، وإذا سألتك لأن النظر إلى الإنسان مقدمة المكالمة فجاز التعبير عنه به،
وقوله: كلمة إلى ههنا ليس المراد منه حرف التعدي بل واحد الآلاء، قلنا: إن إلى على هذا القول تكون اسما للماهية التي يصدق عليه أنها نعمة، فعلى هذا يكفي في تحقق مسمى هذه اللفظة أي جزء فرض من أجزاء النعمة، وإن كان في غاية القلة والحقارة، وأهل الثواب يكونون في جميع مواقف القيامة في النعم العظيمة المتكاملة، ومن كان حاله كذلك كيف يمكن أن يبشر بأنه يكون في توقع الشيء الذي ينطلق عليه اسم النعمة، ومثال هذا أن يبشر سلطان الأرض بأنه سيصير حالك في العظمة والقوة بعد سنة، بحيث تكون متوقعا لحصول اللقمة الواحدة من الخبز والقطرة الواحدة من الماء، وكما أن ذلك فاسد من القول: فكذا هذا.
المقام الثاني: هب أن النظر المعدي بحرف إلى المقرون بالوجوه جاء في اللغة بمعنى الانتظار لكن لا يمكن حمل هذه الآية عليه، لأن لذة الانتظار مع يقين الوقوع كانت حاصلة في الدنيا، فلا بد وأن يحصل فيالآخرة شيء أزيد منه حتى يحسن ذكره في معرض الترغيب في الآخرة، ولا يجوز أن يكون ذلك هو قرب الحصول، لأن ذلك معلوم بالعقل فبطل ما ذكروه من التأويل.
وأما التأويل الثاني: وهو أن المراد إلى ثواب ربها ناظرة، فهذا ترك للظاهر، وقوله: إنما صرنا إليه لقيام الدلائل العقلية والنقلية على أن الله لا يرى،
قلنا: بينا في الكتب العقلية ضعف تلك الوجوه، و سنوردها له.
والله أعلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد خالد شعراني
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 21
تاريخ التسجيل : 03/01/2008

مُساهمةموضوع: الفوارق بين نص الكتاب العزيز و قول الشيعة   الإثنين يناير 28, 2008 6:40 pm

*** {بيان مقام سيدنا أبي بكر }***
لما كانت المسألة بيننا نحن أهل السنة و بين الشيعة مما لا يمكن حلها بحوار ات و مناظرات في الحديث الشريف فما يقولون بصحته لا نسلم نحن به و ما نثبت صحته لا يقبلون بتصحيحه ، تعين ان تكون المفاصلة في كتاب الله ، و لقد عمدنا إلى بيان مقام سيدنا أبي بكر ليكون القاصمة التي تقصم ظهورهم و تبين عور مذهبهم بجملته ، و بسقوط قولهم في هذا يسقط كل ما جعلوه مؤسسا على هذه المسألة ، فهي مسألة مفصلية تبين الحق و تنسف أقوال من افتروا على دين الله العطيم .

بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين ، و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد سيد الأولين و الآخرين ، و سيد ولد آدم إلى يوم الدين ، و على جميع اخوانه من النبيين و المرسلين ، و آل كل و صحب كل و التابعين .

و بعد :

أللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا و قبيح ما اجترحنا آناء الليل و أطراف النهار ، أللهم إنا نعوذ بك منك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، أللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، و أنت الآخر فليس بعدك شيء، و أنت الظاهر فليس فوقك شيء ، و أنت الباطن فليس دونك شيء ،أللهم إنا تفرغنا من حولنا و قوتنا إلى لا حول و لا قوة إلا بك، أللهم فوضنا أمرنا إليك و ألجأنا ظهرنا إليك رغبة و رهبة منك لا نحصي ثناء عليك ، أللهم إنا نعوذ بك من سفاهة السفهاء ، و خبث الخبثاء ، و جهالة الجهلاء ، و ضلالات الضالين المضلين الأغبياء .

و لقد رأيت من سفاهة السفهاء الذين يلوكون أعراض صحابة رسول الله صلى الله عليه و آله و صحبه و سلم ، ولا يستحيون بهذا و لا يرعون ، و إن ذكرتهم و بينت لهم لا يسمعون و لا يعقلون ، و هم يزعمون أن فعلهم قربى من القربات و طاعة ٌمن الطاعات ، أللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع ، و من عمل لا يُرفع ، و من دعاء لا يُسمع ، و من جهالة تودي بصاحبها إلى النار ، فرأيت أنه لا بد من الرد على هؤلاء و من بيان الحق الذي قرره السادة العلماء ، في جملة ردود لا أتبع فيها التطويل المسهب الممل و لا الإختصار المجتزأ المُخلّ، و لما كان هؤلاء في غالبيتهم لا يعتمدون ما صح عند أهل السنة من الحديث كان لا بد من بيانه أولا بما ورد به الكتاب العزيز ليكون حجة عليهم و علينا و الله الموفق للحق ، عليه توكلنا و إليه أنبنا و إليه المصير .

و ها نحن نبدأ بمقام الصديق أبي بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه و آله و صحبه و سلم ، سائلا المولى أن يكون فيه التثبيت لأهل الحق و البيان و الحجة على من خالف ، و الله و لي الأمر و هو على كل شيء قدير .


{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}

قال الإمام الرازي في تفسيرها :دلت هذه الآية على أفضيلة أبي بكر و مقامه رضي الله عنه من وجوه:

{الوجه الأول}

أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من أن يقدموا على قتله، فلولا أنه عليه السلام كان قاطعا على باطن أبي بكر ( متيقنا واثقا)، بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين الصديقين، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره، لخافه من أن يدل أعداءه عليه، وأيضا لخافه من أن يقدم على قتله. فلما استخلصه لنفسه في تلك الحالة، دل على أنه عليه السلام كان قاطعا بأن باطنه على وفق ظاهره..

{الوجه الثاني }

وهو أن الهجرة كانت بإذن الله تعالى، وكان في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من المخلصين، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله أقرب َ من أبي بكر، فـلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الصعبة الهائلة، وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة، وتخصيص الله إيّاه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين.

{الوجه الثالث}

أن كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما هو فما سبق رسول الله كغيره، بل صبر على مؤانسته وملازمته وخدمته عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد، وذلك يوجب الفضل العظيم.

{الوجه الرابع}

أنه تعالى سماه (ثَانِيَ اثْنَيْنِ) فجُعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما في الغار، والعلماء أثبتوا أنه رضي الله عنه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية، فإنه صلى الله عليه وسلم لما أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر، ثم ذهب وعرض الإسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والكل آمنوا على يديه، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أيام قلائل، فكان هو رضي الله { ثَانِيَ اثْنَيْنِ} في الدعوة إلى الله وأيضا كلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، كان أبو بكر رضي الله عنه يقف في خدمته ولا يفارقه، فكان ثاني اثنين في مجلسه، ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قام مقامه في إمامة الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين، ولما توفي دفن بجنبه، فكان ثاني اثنين هناك أيضا.

طعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال: كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله تعالى رابعا لكل ثلاث في قوله{ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ } )المجادلة: 7) ثم إن هذا الحكم عام في حق الكافر والمؤمن، فلما لم يكن هذا المعنى من الله تعالى دالا على فضيلة لإنسان فلأن لا يدل من النبي على فضيلة الإنسان كان أولى.

والجواب:

أن هذا تعسف بارد، لأن المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم والتدبير، وكونه مطلعا على ضمير كل أحد، أما ههنا فالمراد بقوله تعالى: { ثَانِيَ اثْنَيْنِ } تخصيصه بهذه الصفة في معرض التعظيم وأيضا قد دللنا بالوجوه الثلاثة المتقدمة على أن كونه معه في هذا الموضع دليل قاطع على أنه صلى الله عليه وسلم كان قاطعا بأن باطنه كظاهره، فأين أحد الجانبين من الآخر؟

{الوجه الخامس}

من التمسك بهذه الآية ما جاء في الأخبار أن أبا بكر رضي الله عنه لما حزن قال عليه الصلاة والسلام ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ولا شك أن هذا منصب علي، ودرجة رفيعة. واعلم أن الروافض في الدين كانوا إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل، وأرادوا به أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعليا، وفاطمة، والحسن والحسين، كانوا قد احتجبوا تحت عباءة يوم المباهلة، فجاء جبريل وجعل نفسه سادسا لهم فذكروا للشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى أن القوم هكذا يقولون، فقال رحمه الله لكم ما هو خير منه بقوله: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" ومن المعلوم بالضرورة أن هذا أفضل وأكمل.

{الوجه السادس}
أنه تعالى وصف أبا بكر بكونه صاحبا للرسول وذلك يدل على كمال الفضل. قال الحسين بن فضيل البجلي: من أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافرا، لأن الأمة مجمعة على أن المراد من{ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ } هو أبو بكر، وذلك يدل على أن الله تعالى وصفه بكونه صاحبا له، اعترضوا وقالوا: إن الله تعالى وصف الكافر بكونه صاحبا للمؤمن، وهو قوله: { قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً }الكهف37

{والجواب}

أن هناك وإن وصفه بكونه صاحبا له ذكرا إلا أنه أردفه بما يدل على الإهانة والإذلال، وهو قوله {أكفرت}أما ههنا فبعد أن وصفه بكونه صاحبا له، ذكر ما يدل على الإجلال والتعظيم وهو قوله{لا تحزن إن الله معنا }
فأي مناسبة بين البابين لولا فرط العداوة؟

{الوجه السابع}

في دلالة هذه الآية على فضل أبي بكر. قوله:{ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } ولا شك أن المراد من هذه المعية، المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة، وبالجملة فالرسول عليه الصلاة والسلام شرك بين نفسه وبين أبي بكر في هذه المعية، فإن حملوا هذه المعية على وجه فاسد، لزمهم إدخال الرسول فيه، وإن حملوها على محمل رفيع شريف، لزمهم إدخال أبي بكر فيه،
ونقول بعبارة أخرى، دلت الآية على أن أبا بكر كان الله معه، وكل من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين، لقوله تعالى {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ }النحل128 والمراد منه الحصر، والمعنى: إن الله مع الذين اتقوا لا مع غيرهم، وذلك يدل على أن أبا بكر من المتقين المحسنين.

{الوجه الثامن}

في تقرير هذا المطلوب أن قوله:{ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } يدل على كونه ثاني اثنين في الشرف الحاصل من هذه المعية، كما كان ثاني اثنين إذ هما في الغار، وذلك منصب في غاية الشرف.

{الوجه التاسع}

أن قوله{ لاَ تَحْزَنْ } نهى عن الحزن مطلقا، والنهي يوجب الدوام والتكرار، وذلك يقتضي أن لا يحزن أبو بكر بعد ذلك البتة، قبل الموت وعند الموت وبعد الموت.

الوجه العاشر:

قوله: { فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } ومن قال الضمير في قوله { عَلَيْهِ} عائدا إلى الرسول فهذا باطل لوجوه:

{الوجه الأول}

أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر، لأنه تعالى قال{ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ } والتقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن، وعلى هذا التقدير: فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر، فوجب عود الضمير إليه.

{الوجه الثاني}

أن الحزن والخوف كان حاصلا لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه السلام كان آمنا ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره على قريش. فلما قال لأبي بكر لا تحزن صار آمنا، فصرف السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سببا لزوال خوفه، أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوي النفس.

{الوجه الثالث}

أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال: إن الرسول كان قبل ذلك خائفا، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} فمن كان خائفا كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره؟ ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه، فقال لصاحبه لا تحزن، ولما لم يكن كذلك، بل ذكر أولا أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه لا تحزن، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة، وهو قوله:{ فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر.

فإن قيل: وجب أن يكون قوله: { فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ }(التوبة: 40) المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله:{ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } وهذا لا يليق إلا بالرسول، والمعطوف يجب كونه مشاركا للمعطوف عليه، فلما كان هذا المعطوف عائدا إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائدا إلى الرسول. قلنا: هذا ضعيف، لأن قوله: { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } إشارة إلى قصة بدر وهو معطوف على قوله: { فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ } وتقدير الآية إلا تنصروه فقد نصره الله في واقعة الغار{إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } في واقعة بدر، وإذا كان الأمر كذلك فقد سقط هذا السؤال.

{الوجه الحادي عشر}

من الوجوه الدالة على فضل أبي بكر من هذه الآية إطباق الكل على أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا يأتيانهما بالطعام. روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لقد كنت أنا وصاحبي في الغار بضعة عشر يوما وليس لنا طعام إلا التمر» وذكروا أن جبريل أتاه وهو جائع فقال هذه أسماء قد أتت بحيس، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وأخبر به أبا بكر. ولما أمر الله رسوله بالخروج إلى المدينة أظهره لأبي بكر، فأمر ابنه عبد الرحمن أن يشتري جملين ورحلين وكسوتين، ويفصل أحدهما للرسول عليه الصلاة والسلام. فلما قربا من المدينة وصل الخبر إلى الأنصار فخرجوا مسرعين، فخاف أبو بكر أنهم لا يعرفون الرسول عليه الصلاة والسلام فألبس رسول الله ثوبه، ليعرفوا أن الرسول هو هو، فلما دنوا خروا له سجدا فقال لهم: «اسجدوا لربكم وأكرموا أخا لكم» ثم أناخت ناقته بباب أبي أيوب روينا هذه الروايات من تفسيرأبي بكر الأصم.

{الوجه الثاني عشر}

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة ما كان معه إلا أبو بكر، والأنصار ما رأوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا إلا أبا بكر، وذلك يدل على أنه كان يصطفيه لنفسه من بين أصحابه في السفر والحضر، وأن أصحابنا زادوا عليه وقالوا: لما لم يحضر معه في ذلك السفر أحد إلا أبو بكر، فلو قدرنا أنه توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره إلا أبو بكر وأن لا يكون وصيه على أمته إلا أبو بكر، وأن لا يبلغ ما حدث من الوحي والتنزيل في ذلك الطريق إلى أمته إلا أبو بكر، وكل ذلك يدل على الفضائل العالية والدرجات الرفيعة لأبي بكر.

واعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية وبهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر من وجوه ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين:

{فالأول}

قالوا إنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي بكر: «لا تحزن» فذلك الحزن إن كان حقا فكيف نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه؟ وإن كان خطأ، لزم أن يكون أبو بكر مذنبا وعاصيا في ذلك الحزن.

{الثاني}

قالوا يحتمل أن يقال: إنه استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل الكفار عليه، وأن يوقفهم على أسراره ومعانيه، فأخذه مع نفسه دفعا لهذا الشر.

{الثالث}

وإن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر عليا بأن يضطجع على فراشه، ومعلوم أن الاضطجاع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل تلك الليلة الظلماء مع كون الكفار قاصدين قتل رسول الله تعريض النفس للفداء، فهذا العمل من علي، أعلى وأعظم من كون أبي بكر صاحبا للرسول، فهذه جملة ما ذكروه في ذلك الباب.

{الجواب عن الأول}

أن أبا علي الجبائي لما حكى عنهم تلك الشبهة، قال: فيقال لهم يجب في قوله تعالى لموسى عليه السلام{ لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى }طه68 أن يدل على أنه كان عاصيا في خوفه، وذلك طعن في الأنبياء، ويجب في قوله تعالى في إبراهيم، حيث قالت الملائكة له{ لَا تَخَفْ } في قصة العجل المشوي مثل ذلك، وفي قولهم للوط { لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ }العنكبوت33 مثل ذلك
فإذا قالوا: إن ذلك الخوف إنما حصل بمقتضى البشرية، وإنما ذكر الله تعالى ذلك في قوله: { لَا تَخَفْ } ليفيد الأمن، وفراغ القلب. قلنا لهم في هذه المسألة كذلك.

فإن قالوا: أليس إنه تعالى قال:{ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } (المائدة: 67) فكيف خاف مع سماع هذه الآية؟ فنقول: هذه الآية إنما نزلت في المدينة، وهذه الواقعة سابقة على نزولها، وأيضا فهب أنه كان آمنا على عدم القتل، ولكنه ما كان آمنا من الضرب، والجرح والإيلام الشديد. والعجب منهم، فإنا لو قدرنا أن أبا بكر ما كان خائفا، لقالوا إنه فرح بسبب وقوع الرسول في البلاء، ولما خاف وبكى قالوا: هذا السؤال الركيك، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون الحق، وإنما مقصودهم محض الطعن .

والجواب عن الثاني: أن الذي قالوه أخس من شبهات السوفسطائية، فإن أبا بكر لو كان قاصدا له، لصالح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، وقال لهم نحن ههنا، ولقال ابنه وابنته عبد الرحمن وأسماء للكفار نحن نعرف مكان محمد فندلكم عليه، فنسأل الله العصمة من عصبية تحمل الإنسان على مثل هذا الكلام الركيك.

{والجواب عن الثالث من وجوه}
الأول: أنا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي طالب في تلك الليلة المظلمة على فراش رسول الله طاعة عظيمة ومنصب رفيع، إلا أنا ندعي أن أبا بكر بمصاحبته كان حاضرا في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلي كان غائبا، والحاضر أعلى حالا من الغائب.

الثاني: أن عليا ما تحمل المحنة إلا في تلك الليلة، أما بعدها لما عرفوا أن محمدا غاب تركوه، ولم يتعرضوا له. أما أبو بكر، فإنه بسبب كونه مع محمد عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام في الغار كان في أشد أسباب المحنة، فكان بلاؤه أشد.

الثالث : أن أبا بكر رضي الله عنه كان مشهورا فيما بين الناس بأنه يرغب الناس في دين محمد عليه الصلاة والسلام ويدعوهم إليه، وشاهدوا منه أنه دعا جمعا من أكابر الصحابة رضي الله عنهم إلى ذلك الدين، وأنهم إنما قبلوا ذلك الدين بسبب دعوته، وكان يخاصم الكفار بقدر الإمكان، وكان يذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالنفس والمال. وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه كان في ذلك الوقت صغير السن، وما ظهر منه دعوة لا بالدليل والحجة، ولا جهاد بالسيف والسنان، لأن محاربته مع الكفار إنما ظهرت بعد انتقالهم إلى المدينة بمدة مديدة، فحال الهجرة ما ظهر منه شيء من هذه الأحوال، وإذا كان كذلك كان غضب الكفار على أبي بكر لا محالة أشد َ من غضبهم على علي، ولهذا السبب، فإنهم لما عرفوا أن المضطجع على ذلك الفراش هو علي لم يتعرضوا له ألبتة، ولم يقصدوه بضرب ولا ألم، فعلمنا أن خوف أبي بكر على نفسه في خدمة محمد صلى الله عليه وسلم أشدُ من خوف علي كرم الله وجهه فكانت تلك الدرجة أفضلَ وأكملَ. هذا ما نقوله في هذا الباب على سبيل الاختصار.
أما قوله تعالى:{ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } فاعلم أن تقدير الآية أن يقال{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ } فلا بد له ذلك بدليل صورتين.

الصورة الأولى: أنه قد نصره في واقعة الهجرة{ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ }.
والصورة الثانية: واقعة بدر، وهي المراد من قوله:{ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } لأنه تعالى أنزل الملائكة يوم بدر، وأيد رسوله صلى الله عليه وسلم بهم، فقوله{ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} معطوف على قوله{فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا }.

ثم قال تعالى:{ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا} والمعنى أنه تعالى جعل يوم بدر كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة، وكلمة ُ الله هي العليا، وهي قوله لا إله إلا الله.
ثم قال:{ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي قاهر غالب لا يفعل إلا الصواب.

فإذا كان هذا هو المقام الذي وصف به سيدنا أبو بكر بنص القرءان الحكيم الذي{ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }فصلت42
فكيف يصح لأولئك السفهاء أن ينالوا منه و من عرضه و كيف يتجرأ هؤلاء على التطاول عليه و هو الذي جاء الكتاب بوصفه و دللت السنة على مقامه ، ألا تبا لهؤلاء فيما يقولونه و ما يفترون به على دين الله العظيم . و سنبين بعض ما جاء من السنة في مقامه رضي الله عنه و أرضاه و عن صحابة رسول الله .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ما هو قول مذهب الرافضة بعد بيان فساد قولهم في الرؤية ( الحلق
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
صوت الاشاعرة أهل السنة والجماعة ( الأشاعرة )  :: المنتديات الإسلامية :: الحوار الاسلامى-
انتقل الى: